الحذاء المرقع والنفس البشرية

الحذاء المرقع
0 78

الحذاء المرقع

الحذاء المرقع
الحذاء المرقع

لم تُحرم أقدامنا من لبس حذاء خرق أو مرقع ولو لمرة واحدة في تلك الحياة. تذكر ذلك الحذاء جيداً وتذكر كيف كنت تخفيه عن الأعين بشتي الطرق والأساليب، وربما شغل الأمر من تفكيرك مساحة لا بأس بها حتي تستبدل هذا الحذاء بالجديد فتبرزه لكل ناظر ومعاين.

لكننا لم ننتبه يوماً إلي أن هذا الحذاء المرقع لا نرتديه فقط في أقدامنا، ,وإنما أُلبست دواخلنا أحياناً مثله ونحن لاندري. نعم، قد يكون لهذا الرقع وجود في أنفسنا أو أعماق أوراحنا. مهما بلغت من الغني والنفوذ والسلطة والجاه والجبروت انتبه، ففي قلبك وعقلك رقعة لا يجب فقط إخفاؤها وإنما إزالتها في أقرب وقت واستبدالها بنقاء سريرة وطيب نفس.

ولكي نتخلص من الحذاء المرقع ينبغي أن نعلم ماهيته وأين وكيف هو!

الأحقاد والغل والحسد أحذية مرقعة.. كراهية الحق وحب الباطل أحذية مرقعة.. حب الشهوات وإيثارها علي ما فيه خير وصلاح الناس هي أحذية مرقعة.. كل ضغينة أو مسوءة تعلق بالقلب وتحدث فيه فجوة أو رقعة هو بمثابة حذاء خرق أُلبسته وأنت لاتدري أو قد تدري وتتركه لعجز أو لجهل أو لعدم مبالاة وفهم..ولكن إذاما توصل العلم الحديث إلي صناعة كاميرا  أو نظارة تكشف ما في داخلك، فهل تستطيع أن تلقي الناس علي تلك الهيئة؟! لا أظن ذلك..

قد يمتلك بعض الناس نفاذ البصيرة وقوة الحدس للدرجة التي يبصر فيها بعض حشاشات القلوب فيمن حولهم، وهؤلاء بالطبع يتجنبهم من أُشرب قلبه بالرُقع والخروق. لا تفر أخي ولا تنحي نفسك عن طريقك المعتادة لأجل التواري بعيداً عن البصائر النافذة، ولكن نصيحتي إليك أن أصلح الرقعة أو ارتدي الجديد. فهيا بنا نذهب إلي محل نبتاع منه مرادنا ونقنص فيه غايتنا، ولا تقلق بشأن المال، فالثمن لن يدفعه جيبك أو حسابك المصرفي أو بطاقتك الائتمانية، بل الأمر أيسر من ذلك ومتاح لمن أراد.

يجب أولاً أن يعرف الإنسان ما هي الخروقات التي استوطنت داخله كي يتمكن من علاجها. وتعد العزلة من أنجع الوسائل المشهود لها من قبل علماء النفس والمتخصصين والتي تساعد المرء في التعرف علي مثل تلك الخفايا. فالعزلة لفترة محددة من الوقت تحدث فينا فرقاً شاسعاً، وعلينا جميعاً أن نتعلم كيف نتقن هذا الفن ونطبقه بصورة صحيحة لأسباب عدة: منها فتح المجال للتأمل في النفس البشرية والتعرف علي ما بها من شوائب وما لحق بها من نواقص. يذكر توماس مور في كتابه “العناية بالروح” أن: “كل إنسان مهما كان مشغولاً ومهما كانت ظروفه يستطيع أن يوفر بعض الوقت لنفسه، لكن هناك أشخاص بطبيعتهم يخدعون أنفسهم ويعتقدون أن كل وقت فراغ يملكونه يجب أن يفعلوا فيه شيئاً سواء لخدمة الآخرين أو لخدمة العمل أو العائلة”.

وعلي الرغم من أن حياتنا المعاصرة جعلت النجاح مرتبطاً بالإنجازات المادية، إلا أن كل شخص يملك وقتاً إضافياً للخلوة بالنفس دون الخوف من المواجهة التي تنتظرنا مع شخصنا الداخلي. هذا الخوف يمنع المرء من أن ينمو عاطفياً أو وجدانياً أو أن يجدد من نفسه.
وللعزلة فوائد أخري لا تعد ولا تحصى منها التشافي من الأمراض النفسية، وتحسين القدرة على التفكير والتركيز وحدة البصر والبصيرة. يقول مور: “كل شيء في حياتنا المعاصرة يدفع بنا إلى السطحية ويبعدنا عما في داخلنا، لذا يجب أن نتحدي هذا الأمر ونكرس وقتاً خاصاً للروح وللنفس ومن أجل تحقيق التوازن”.

مواضيع اخري مميزة
1 od 2 |

فعليك أخي أن تحدد أوقاتاً للخلوة بالنفس والتأمل الداخلي، وأن تنظم حياتك الشخصية والعملية للتجاوب مع هذا الأمر حتي يصبح أمراً واقعاً بين الأسرة والأهل والأصدقاء. ولتؤتي العزلة ثمارها كاملة يجب أن نخصص جزءاً من تلك الخلوة للتأمل في كل سلوكياتنا تجاه الآخرين وتجاه أنفسنا وما يحيط بنا من أشياء، بتلك الطريقة سنتمكن من التعرف علي الجوانب الخفية الكامنة بين ثنايا النفس.

وبعد أن تعرفنا علي نتفاً من الفوائد التي تحدثها العزلة الصحيحة والخلوة الصحية في حياتنا، وكيفية ثبر أغوار الرقع الداخلية هيا بنا نستعرض بعض الوسائل التي تخلع عنا ذلة الحذاء المرقع.

الحذاء المرقع
الحذاء المرقع

أولاً: ينبغي أن نخصص للعبادة وقتاً معلوماً بصورة دورية ويا حبذا لو كانت الصلاة علي رأس تلك العبادات كلها، فهي صلة يناجي فيها الإنسان منا ربه ويسأله مغفرة الذنوب التي شابت النفس فيما مضي وأن يوفقه إلي الإحسان فيما بقي.

ثانياً: ممارسة الرياضة التي يعلم الصغير منا والكبير أثرها النافع علي مثلث الصحة عند الإنسان (صحة الجسد وصحة العقل والصحة الروحية).

ثالثاً: أن ينظر الإنسان دوماً إلي من هم دونه ويحمد الله علي ما منحه من نعم ومحامد كثيرة، فهذا السلوك وحده يقتل في الإنسان الكبر والعجب بالذات ويعلم الإنسان أن هناك منعم كما أعطي قد يسلب إن لم يحصن المنعم عليه تلك النعمة بالشكر وأداء حق الله وحق العباد فيها.

رابعاً: تخصيص مساحة من الوقت لقضاء حوائج الناس، ورفع الظلم عنهم، وتيسير عسرهم، وتفريج كربهم والتخفيف عنهم، وكفالة أيتامهم، ورعاية أراملهم، وإيواء مشرديهم، فقد ثبت أن أفعال الخير من الأمور التي تبهج الروح وتحول النفس من أمارة بالسوء إلي أمارة بالخير لوامة إن قصر الإنسان أو خارت همته.

خامساً: تعلم أشياء جديدة، فالنفس تواقة إلي كل ما هو جديد. كما ذكرت الكثير من الدراسات أن خلايا للمخ خاملة تتفتح وتنشط مع كل جديد نتعلمه. وبذلك نحجز في داخلنا مساحة لمزيد من الأنشطة والأفعال التي تقلص بالطبع المساحات التي رقعتها صروف الحياة.

وأخيراً، فنصيحتي لكل من يقرأ مقالتي أن يعلم أن النفس البشرية مثلها مثل الميكنة، لها صيانة دورية وتعهد بالنظافة والرعاية حتي يمكننا أن نكمل تلك الحياة متمتعين بكامل صحتنا وتمام عافيتنا وبدون أية أحذية مرقعة أو خروقات أو شوائب قد تقيد حركتنا وتثبط همتنا.

Facebook Comments Box
اترك تعليق