علمني الكتاب.. الأتراك والأرمن في ذكري المذابح

مذابح الأرمن ضد الأتراك
0 10

عقب انتهاء الحرب العالمية الأولي كلفت الحكومة الأمريكية كلاًّ من إموري نايلز وآرثر سزرلاند بالسفر إلي شرق الأناضول وتقديم تقرير مفصل حول الأوضاع هناك. وكانت المفاجآة أن جاء في تقريرهما أن الأضرار التدميرية التي وقعت في تلك المنطقة هي بالشواهد والأدلة من فعل الأرمن وليس الأتراك.

لم يكن نايلز وسزرلاند مراقبين مؤيدين للأتراك أو المسلمين وإنما علي العكس تماماً جاءا إلي شرقي الأناضول حانقين علي الأتراك بسبب ما دسه الأمريكان في أذهانهما من بشاعة نسبت زوراً للدولة العثمانية فضلاً عن اتهامها بارتكاب المذابح والجرائم اللإنسانية ضد الأقليات التي كانت تعيش ضمن حدود الدولة.

ضمت الدولة العثمانية (1299-1923م) في كيانها مجموعة كبيرة من التشكيلات العرقية والإثنية، وكان الأرمن إحدي تلك الأقليات التي عاشت في كنف العثمانيين. واستطاع الأرمن أن يصلوا إلي مناصب دبلوماسية في الحكومة نظراً لاتقانهم اللغات الأجنبية فضلاُ عن عملهم بالتجارة علي اختلاف أنواعها.

عقب استقلال اليونان والبلقان عن الدولة العثمانية تصاعدت القومية العرقية عند الأرمن وبدأت المطالبة بالاستقلال عن الأتراك، فعمل الأرمن كجواسيس لروسيا في حربهم ضد العدو المشترك والعمل كطابور خامس خلف الجيش العثماني، وفي المقابل دعم الروس الثوار الأرمن بالمال والسلاح ضمن خطة الدول الكبري آنذاك للتخلص من رجل أوروبا العجوز مما اعتبرته الدولة العثمانية جريمة خيانة عظمي فصدر القرار بترحيل سكان المناطق الحدودية وجبهات القتال إلي مناطق داخلية مما اعتبره الأرمن وصحفهم المعارضة التي تصدر في أوروبا وأمريكا تهجيراً قسرياً أدي إلي تساقط الضحايا بأعداد مبالغ فيها، وكان ذلك ذريعة أخري للتدخل في الشأن العثماني الأرمني تحت مسمي الحفاظ علي الإنسانية.

مذابح الأرمن ضد الأتراك
مذابح الأرمن ضد الأتراك

وبالفعل استطاعت الدول المتحالفة في أوروبا أن تسقط الدولة العثمانية وتستأصل الزائدة اللحمية التي نبتت في وجه أوروبا فشوهته علي حد اعتقادهم.

كما يجدر بنا أن نذكر في هذا المقام مساهمة روسيا في تأجيج الثورة الأرمنية في شرق الأناضول ليس فقط بالمال والسلاح، وإنما بتحريك النزعة القومية في نفوس شبابهم من خلال استقطابهم للدراسة في جامعاتها كي يبذروا في عقولهم ما يودون بذره من أفكار ومفاهيم محملة بالضغينة والكراهية. ومع عودة هؤلاء الشباب إلي ديارهم بدأت البذرة تنبت وتترعرع وأخرجت طلائع الثورة الأرمينية والتي استمرت حتي بعد انسحاب الروس من بعض المناطق الحدودية ومن آرمينيا الصغري.

في تلك الفترة حدثت أبشع وأسوأ المذابح للقري المسلمة وقد اندهش نايلز وسازرلاند مما رأيا من دمار في المنطقة بين بايزيد وأرضروم والجبهة الأرمينية وسجلا ذلك بالأرقام والإحصائيات في تقريرهما، إلا أن هذا التقرير لم يلق الاهتمام المطلوب وظل حبيس المتاهة الأرشيفية حتي خرج إلي النور مرة أخري وتم ضمه أخيراً إلي الوثائق التي نشرها “المركز الوثائقي الآسيوي” ضمن مشروع الوثائق في كتاب أسموه “مذابح الأرمن ضد الأتراك في الوثائق العثمانية والروسية والأمريكية” الصادر عام 2016 عن دار البشير للثقافة.

بالطبع لم يكن المسلمون فقط هم الذين ماتوا. معدل موت الأرمن كان في النهاية ضخماً، والخسائر الأرمنية لا يمكن إغفالها، ولكن ينبغي أن نذكر أنه في الذكري الـ 103 لمذابح الأرمن المزعومة علينا أن ننظر إلي القضية من جانب مختلف ورؤية بانورامية لزاوية جديدة من المشهد الأرمني التركي الإنساني.

Facebook Comments Box
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
Notify of
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x