علمني الكتاب.. صقر قريش وحلمه الجرئ

صقر قريش وحلمه الجرئ
0 62

عندما أدلف إلي مكتبتي أجد أرففها تكاد تنوء بكتب التاريخ علي اختلاف عصوره وعهوده. أتذكر أول موسوعة تاريخية اقتنيتها عندما كنت في الفرقة الثانية بالجامعة وكانت بعنوان “دولة الإسلام في الأندلس” للمؤرخ المصري العملاق محمد عبد الله عنان. قرأت الموسوعة التي تتآلف من 8 أجزاء أكثر من مرة وفي كل مرة تستوقفني قصة “صقر قريش” عبد الرحمن بن معاوية أو عبد الرحمن الداخل. أتأمل في أركان القصة وأحداثها والأهوال التي لاقاها الأمير الأموي بعد انهيار الدولة الأموية ومطاردة العباسيين له.

خرج عبد الرحمن الداخل طريداً شريداً فقيراً مطارداً وحيداً إلا من رفيقه وخادمه “بدر”. فر من الرايات السود؛ رايات العباسيين؛ من العراق إلي الشام إلي مصر إلي المغرب العربي. وفي كل بلد يدخلها كانت تلاحقه سيوف العسكر والخوارج والعسس والرايات وطمع الطامعين في الجائزة التي وضعت مقابل رأسه، ولم يكن من ذنبه إلا أنه أمير أموي كان مؤهلاً لتولي الخلافة من بعد جده وعمه وابن عمه.

وصل عبد الرحمن الداخل عند أخواله البرابرة في بلاد المغرب بعد مطاردة استمرت خمس سنوات شداد، كان عمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين.

جلس عبد الرحمن الداخل علي شاطئ المغرب يتأمل العدوة الأخري من البحر المتوسط. كانت الأندلس تتلألأ أمامه بثيابها الخضراء كأنها تناديه وتستهويه، فقرر صقر قريش أن يلبي النداء وينتقل إليها ولكن ليس فراراً من المطاردين له وإنما ليكون أول أمير أموي يدخل الأندلس ويحكمها بنفسه ويحيي فيها دولة بني أمية في الغرب بعد أن انهارت في الشرق.

مواضيع اخري مميزة
1 od 2 |

لقي قراره الجرئ حماسة لا نظير لها في نفسه وفي نفس صاحبه وخادمه “بدر” والذي انتقل علي الفور إلي الشاطئ الأندلسي لجمع الأخبار. كانت الأندلس في تفكك ونزاع وخلاف بين يوسف الفهري (الحاكم الاسمي للأندلس) والصميل (الحاكم الفعلي). فحانت بذلك الفرصة لتنفيذ الخطة الجريئة التي وضعها عبد الرحمن. انتقل بدر مرة أخري إلي العدوة الأخري وتفاوض مع الكارهين لحكم الفهري والصميل من القبائل اليمنية والقيسية، واستطاع تجميع محبي الدولة الأموية وأنصارها في الشرق والغرب، واستمال البربر والأندلسيين ليقفوا كلهم وراء ذلك الأمير الأموي المغامر من أجل توحيد الأندلس كلها تحت راية واحدة.

 صقر قريش وحلمه الجرئ
صقر قريش وحلمه الجرئ

ولما تجهز الأمر وفقاً للخطة الموضوعة، راسل بدر صقر قريش الذي أسرع بالانتقال إلي الأندلس في سفينة صغيرة منفرداً ليس معه أحد. تجمع حلفاء عبد الرحمن من حوله ونصروه حتي استطاع أن يهزم جيوش الفهري والصميل ويفسد مؤامرات الخارجين ويقمع ثورات الطامعين ويبدأ عهداً جديداً من الوحدة والعدل والرخاء وصار من أقوي الحكام في عصره مما جعل الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يطلق عليه لقب “صقر قريش”، لأنه استطاع أن يتخلص بكيده عن سنن الأسنة والسيوف. وأن يعبر القفر، ويركب البحر، حتى دخل بلدًا أعجميًا. فأقام ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وذكاءه، وشدة عزمه، ووطد للعرب المسلمين حكماً استمر من بعده قرابة الأربعة قرون.

فإذا ما قارنت أخي القارئ الكريم حالنا بحال عبد الرحمن بن معاوية ستجد أن الكفة الراجحة تميل لصالحنا: نعيش غير مطاردين ولا مشردين ولا مطلوبين، أحبابنا وأهلونا من حولنا، والعلم مهد لنا الكثير من الذلال والصعاب وسخر لنا ما لم يكن في السابق مممكناً ثم بعد ذلك كله نقف أمام أحلامنا عاجزين عن تحقيقها!!

Facebook Comments Box
اترك تعليق