علمني الكتاب: ما ترفضه اليوم تقبله غداً

علمني الكتاب: ما ترفضه اليوم تقبله غداً
0 32

عندما كنا بالجامعة في بداية الألفية الثالثة من عالمنا كان لدينا شغف عجيب بالكتب. كنا نستقطع من مالنا وقوتنا من أجل شراء الكتاب. كنت أذهب مع زملاء الجامعة وخاصة صديقي المقرب محمد حبيب إلي معرض الكتاب في كل عام، وكنا لا نلقي بالاً لجودة الكتاب أو نوعية الورق والطباعة بقدر ما نهتم بالسعر. قد نشتري الغلاف وليس المجلد بسبب فرق السعر الذي قد لا يتعدي بضعة جنيهات ولكنها كانت بالنسبة إلينا مبلغاً وثروة يمكن أن نفعل بها الكثير.

ثم تخرجنا في الجامعة وبدأنا نشق طريقنا في الحياة. عملنا واجتهدنا وذقنا طعم المال المكتسب من “عرق الجبين” .توفر لدينا شئ من المال غير عندنا بعض المفاهيم حول شكل الكتاب فصرنا نفضل المجلد علي الغلاف، والورق الفاخر علي الشعبي حتي يتسني لنا أن نضعه بشكل لائق في المكتبة التي صارت عند كل واحد منا في غرفته الخاصة.

علمني الكتاب: ما ترفضه اليوم تقبله غداً
علمني الكتاب: ما ترفضه اليوم تقبله غداً
مواضيع اخري مميزة
1 od 2 |

وذات يوم اقترح عليّ صديقي أن نكلل قراءاتنا في العلوم الشرعية والأدبية بالدراسة، وبالفعل تقدمنا إلي معهد الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة وحصلنا علي الدبلومة العليا، وكانت تلك المرحلة نقلة نوعية جلعتني أهتم لاحقاً بمصادر العلم وبتوثيق المادة العلمية وجرنا هذا الأمر إلي الاهتمام بعلم فريد من نوعه ألا وهو علم المخطوطات وتحقيق الكتب.

ومن يومها تغير فكري تماماً فصرت أعلن الثورة علي كثير من الكتب التي كنت قد اقتنيتها في فترة سابقة، فصارت الأولوية لدي لا إلي السعر ولا إلي شكل الكتاب مجلد أو غلاف ولكن إلي تحقيق الكتاب: فصرت أبحث عن أفضل النسخ التي اعتني بها علماء متخصصين وصرت أتصفح المقدمة التي لم أكن معتاداً علي قراءتها قبل ذاك، فأنظر من قدّم ومهد للكتاب ومن حققه ومن اعتني به وكيف تم إخراج هذا الكتاب وتفنيد ما فيه أو تحليله. أصبحت المادة العلمية وتوثيقها أهم عندي من أي شئ أخر. فرأيتني بمعرض الكتاب الأخير أشتري كتاباً وأترك مثيله يباع بعشر الثمن تقريباً لأن الأول وضع علي غلافه من تحقيق فلان أو اعتني به وقدم له فلان.

عندها أدركت أن لكل مرحلة من حياتنا معادلتها الخاصة. من الجائز جداً أن نغير من مفاهيمنا وربما ثوابت كانت لدينا بسبب اختلاف الرؤي أو بمعني أدق بسبب الوصول إلي مرحلة أوضح وأعمق.

ولا أنسي مقولة أحد أساتذتي بالجامعة ضمنها مقدمة أحد كتبه: “ما ترفضه اليوم تقبله غداً، وما ترضاه غداً تأباه بعد غد”. فلا تحرم نفسك من الإطلاع علي ما يتاح أمامك من ثقافات ومعارف في شتي نواحي الحياة، وأن تراجع دائماً مفاهيمك ولا تقصر ناظريك علي أمور كانت تناسبك بالأمس أما اليوم فحدثٌ جديد.

Facebook Comments Box
اترك تعليق